|

كتب كاظم السيد علي من النجف :
للماضي نكهة خاصة لا يمكن لنا أن ننساها حيث العادات والتقاليد ذات الإرث الحضاري ، و أجمل ما نتذكره منها، السراديب التي كانت منتشرة في مدينة النجف حيث النسمات الباردة في وقت الحر الشديد .
كان الناس ينزلون من الطابق الراضي إلى الطابق الأسفل قبل المغرب بقليل بسبب حرارة الصيف التي تصل أحيانا إلى أعلى معدلاتها ، فتلتهب المدينة كلها ، المشراق والعمارة ، والحويش والبراق ليقضوا وقت القيلولة في تلك السراديب .
ويرى باحثون أن خبرة البناء هذه اكتسبها الناس من المعماريين الفرس .
وتقسم السراديب إلى ثلاثة أقسام ، فالأول يسمى (راهرو) وعدد درجاته من 8-12 درجة والثاني سمي ب(السن ) وعدد درجاته تتراوح مابين 50- 70 درجة .
ويستعمل السرداب للخزن أما السرداب "الوسطاني" فسمي (نيمه سن ) وعدد درجاته 20 إلى 24 درجة .
و (النيمه) كلمة فارسية معناها (النصف ) وأغلب الناس يركنون اليه بالظهيرة لان حرارته تصل الى 10-15 درجة مئوية . وفي كل سرداب بئر لغرض الحصول على الماء ، حيث الماء الحلو المتصل بشبكة ترتبط في النهر والنفق معا والممتد عبر شط الفرات الى الشبكة الرئيسية التي كانت قريبة من خان (ابو كلل ) ومكانها بالكراج الداخلي .
وهذه الشبكة أمر بتشييدها (نادر شاه ) عند زيارته ضريح الإمام علي . وهناك ما يعرف بالسرداب الأعمق أي (السن ) و يجري فيه الماء بانسيابية إلى السراديب الأخرى . بالإضافة الى (البراني ) أي استقبال الضيوف لما تتمتع به هذه المدينة العريقة المحبة للكرم والضيافة . ويذكر كتاب لابن بطوطة (قبل حوالي 800 عام ) هذه السراديب النجفية بالقول : زرت هذه المدينة وتعرفت على أهلها ، فأنزلوني الى ذلك السرداب الذي لم أراه في أي مدينة أخرى فمكثت فيه يومين ) ،.
كيفية بناء السراديب :
جميع السراديب تبنى بالطابوق وسقوفها تعقد على شكل قبة من دون استعمال (الشيلمان ) أو "الشيش المسلح " وتبلط أرضيتها بالطابوق (الفرشي ) الذي يعطي برودة للمكان .
الجدير بالذكر أن السراديب قد استغلت وبشكل كبير لعقد الاجتماعات الحزبية والتنظيم السري للأحزاب الوطنية المناهضة للحكومات المبادة ،فيما كانت ملاذا للمطلوبين والهاربين من الانكليز آنذاك .
وشهدت السراديب أيضا الحفلات الغنائية أي( كيوف الطرب ) وكانت تستمر الى ثلاثة أيام بلياليها ، وفي أوائل القرن العشرين حصلت أحداث مهمة في النجف ، وبالأخص عند دخول الانكليز فكانت اجتماعات جمعية النهضة السرية بقيادة رجال العلم منهم الشيخ محمد جواد الجزائري ومحمد رضا الشبيبي وعباس الخليلي وغيرهم .
وكذلك تم أعداد تلك السراديب في الأربعينات أوكارا للأحزاب السرية منها الحزب الشيوعي العراقي وبعض الحركات السياسية الأخرى .
أخيرا فان سراديب المقابر في وادي السلام التي تنزل في باطن الارض الى اكثر من 50 درجة ،أي السراديب القديمة التي دفنت فيها (الجنائز العبسية ) ، إشارة إلى بني عبس، فاستخدمت في إخفاء المناشير السرية واللافتات التي تم رفعها في مظاهرات 1956 الصاخبة .
|