... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

نصوص

   
عشتار.. البغيّ المقدّسة*

صلاح نيازي

تاريخ النشر       21/02/2010 06:00 AM



بالضبط ليلة أمس

وقفتُ أمام عشتار وفي صدري شتى التلف

ارتجفتْ أوّل الأمر، وراحت تلعب بضفيرتها

-هذه عادتُها في الإغراء

                         وتُغمض عينيها،

                                        تتوقع قبلة-

سرعان ما توحّش ضعفي المخذول

اتخذ صيغة حيوانٍ جريح

 

قلتُ لها وجهاً لوجه، ولمْ أطرفْ هذه المرّة

فلتذهبي يا بغيّ إلى المعبد، وليضاجعْكِ كل راعٍ

ما أنتِ إلاّ نعجة منذورة، وصوفكِ معثوث

 

آلهتكِ زناة، وكهنتكِ فناطيس خنازير

يبيعون المرأة بأوقية شعير

 

حين أغضب، يصفرّ وجهُها، ويحلو كالمهد

أستحيل إلى طفل ونتشابق بحدّة

نموع كالشمع على حوافي الشمعة ونلتهب

 

...كان القمر مصقولاً وبياضه متخدراً

 وحولَهُ دارة وثيرةٌ دارتان

مَنْ يزورك هذه الليلة أيّها القمر؟(1)

 

جَسَدٌ ملفع يطفو على رؤوس الأشجار والمعابد

اختطفته غيمة بيضاء وحجبت الدارة

مَنْ يزورك هذه الليلة يا قمر؟ هذه الليلة

 

في النهار تنفصل الموجودات

الشجرةُ شجرة والنهرُ نهر، والطريق طريق،

 لكلٍّ آسم وهوية، والجبل جبل

إلاّ في الليل تتنافذ فيما بينها إلى ما لا نهاية

حتى الجماد تعلو وتهبط فيه روحٌ غريبة فيتنفس

 

ندمتُ للمرّة العشرين، ليتني لمْ أرحلْ

التفتّ التفاتة كاملة

        بكلّ ما في أمواج البحر من اندفاع

كانت المدينة تطفو على رؤوس الأشجار

 تختفي قليلاً قليلاً

 وانقطع آخرُ أصواتِ العشاق والكلاب

 

                          

 

 

لم أُصدّقْ عشتار أوّل الأمر، وسخن خدّاي

...أيّ معبدٍ يا عشتار؟ قلتُ بصوتٍ مشروخ،

                         ومَنْ نذركِ بغيّاً؟

لا تكوني صورةً خلاعيةً في المحلاّتِ العامّة

لا تكوني شمعةً بلا فتيل

لا تكوني مومياء تمارسُ الحياةَ بالموت

لا تجعلي بستانكِ علفاً للثيرانِ الهائجة

لا تجعلي حلمتكِ عقبَ سيجارة

آلهتكِ زناةٌ، وكهنتكِ فناطيس خنازير

يبيعون عذوقَكِ، ولو كانت إكسيراً، بأوقية شعير

 

جَسَدُكِ حقلي الذي زرعْتُهُ

                        نبتةً نبتةً/هذه جغرافيتي

أكلتُ منهُ أشهى الأطايب،

وشربتُ منه ألذ  ماء/ هذه عافيتي

أعرف مواطن الندى والتأوّه،

                       وأسرارُهُ مختلفة/ هذا كتابي

رسمتُهُ بصفرة التعبّد

                وجرّستُهُ بالخفقان،

                   وحرّكتُهُ بالأنفاس/ هذا معبدي

أغتربُ فيكِ آغتراباً أبديّاً، وبين أترابي ذاهل

تأوهاتكِ ملء أذنيّ

أستعيدها فلا أقوى على الآنتظار، فآتيكِ بلا موعد

نتحدّث كلماتٍ خاصة بين الأتراب فتحترّ وجوهُنا

 

نتلامسُ على بعد أمتار، وترتجفُ ملابسنا

نفتش عن التنفس بشق النفس.

 

أيّ معبدٍ يا عشتار

يا آبنةَ ملوك السماء والصواعق والفيضانات

مَنْ نذركِ بغياً؟ وجعلك باباً خلفياً مكسوراً

               "لا يصدّ الريحَ ولا العاصفة"(2)

 

الصقر يتلقف حمامةً آيبةً مسرعة

مخالبه في خاصرتيها وهي تنزفُ دماً في الجوّ

مطراً أحمرَ في الجوّ،

غيمةٌ صغيرةٌ من لحم تنزف بأرقّ توسّل

تتفادى الخطر بكلا جناحيْكَ وتقع في الفخ.

 

كنتُ عائداً من المدرسة

وقميصي مهدّلٌ فوق الحزام من الجوع

كانت تنتظرني لنلعبَ معاً

صدرُها مرتفع، وقدماها على وشك الوثوب

 أنشّها. حطّتْ على" التيغة" أوّلاً،

           ثمّ طارتْ. كانت تقول هيّا

هكذا تبدأ لعبتنا بالفراق دائماً

تحوم حول البيت وتحلّق في الأعالي

رأيتُ المدينة بعينيْها، من أقصاها إلى أقصاها

وكلّ غزل البنات فوق السطوح، وإيماءاتهنّ الجنسية

 

غزل البنات يشتدّ عند الغروب دائماً

وهي تماطلني، وتُطيل الفراق

وفي الدورات الأخيرة ينقطع النّفَس

 

كدتُ أسمعُ صريرَ مفاصلِها حينما اختطمها صقْر

المخلب مغروز في خاصرتها كالكُلاّب المعقوف

علّقها بقَدمٍ واحدة،

                      ونزل مطر أحمر

كدْتُ أسمعها تصيح بآسمي: صلاح

منذ سنوات بعيدة، والمخلب في خاصرتي

وحين أكون وحيداً أسمع آسمي

                          ألتفت فلا أرى أحداً

كان جسدها أسود، وذيلها أبيض

"الأشعل" أجمل الطيور.

بريشه رسم لوحته بالأبيض والأسود

اللوحة تتموج في زرقة السماء

 

البيتُ مقعدٌ الآنَ، ودفاتري المدرسية بلا هديل

تتوالى الأيام فارغة. وطويلة. وكسلى. ومتشابهة

 

آهِ يا آبنة ملوك السماء وأنصاف الآلهة

يا آبنة الصواعق والفياضانات والأوبئة

عشتار يا عشتار يا عشتار

كيف تأسنين وأنتِ بحيرةٌ جبلية!

وتتعفنين وأنتِ رائحة الطلْع في المطر

كيف تكونين نعجة، أيتها الحمامة العالية،

                   وإلْيَتُكِ إدام القدور!

أحملُ كابوسي في عينيّ في وضح النهار

 أنفرد، وتبتعد عني الدنيا

ما من زخرف يأسرني

كأنّ بيني وبين الحاضرقارّات وأزمنة

نتكلّم نفس اللغة ومعانينا مختلفة.

 

أتكئ على جذع شجرة، أترصدها ببؤس،

                              كراعٍ بلا خراف

أتذكركِ نبتةً نبتةً، وأنت عارية بين الأغراب وأتنمّل

 الكهنة يقرأون حول سريرك الأدعية والطلاسم

ويذرّون بين ثيابك البخورَ والخدرَ الجنسيّ

هل يدُكِ على ضفيرتكِ وعينُك مغمضة تتوقعين قبلة؟

- لا تُثارين إلاّ بقبلةٍ طويلة، وتغيبين عن الوعي-

هل تتأوهين نفس التأوّه

وتعضّين الزندَ من فرط اللذة؟

سيأكل أشهى أطايبكِ،

وتدلّينه على هضابك ووديانك

هل تمارسين نفس الطقوس التي أستعيدها

                                    فآتيكِ بلا موعد

ونفس الكلمات التي جعلتني ذاهلاً بين أترابي

سمعتُ الفأسَ في جغرافيتي، فأتصدّع

وحقلي يُقتلَع نبتةً نبتةً كالأعشاب الضارة

يمضغون قوتي أمامي، وأنا جائعٌ منبوذ

ينتحلون كتابي السرّي، ويكسرون باب معبدي

 

قفي أيتها الريح

وليجمدْ فيك كلّ صوت، ولتمُتْ عضلاتُك

 

اتكأتُ على جذع شجرة، كراعٍ

يسمعُ ثغاءً باكياً على حافة هاوية

 

كان القمر مصقولاً وبياضُهُ متخدّراً

وحوله دارةٌ وثيرةٌ، ثلاث دارات

مَنْ يزوركَ هذه الليلة أيها القمر؟

 

مرّت أقدامُ عشتار، أعرفها وأنا مغمض العينيْن،

 خلفها وصيفتُها

وفي يدها سفط الزينة والملابس الداخلية

كانت دائماً تحمل سفط الزينة والملابس الداخلية

          وتحرس باب كهفنا في الليل

 

لمْ أعترضْ سبيلها كما قررتُ

لمْ أقطع الهواء أمامها بسكّين كما قررتُ

لمْ أفجّر الأرض تحتها كما قررتُ

لمْ أزلْزلْ المدينة بنفخة ساحر

حتى ولمْ أنترْ ثوبها

 

نظرتُ إلى المعبد

فوانيسُهُ تنفث السمّ والبرغش

شممتُ رائحةَ صوفٍ محترق

 مشيتُ بصعوبة كأني أقتلع جذوراً

ابتعدتِ المدينة

وانقطعتْ آخر أصوات العشاق والكلاب

بيني وبينها قارات وأزمنة فجأة

نتكلّم نفس اللغة ومعانينا مختلفة.

 

مالقا

11/1/94

شاعر عراقي

almananiazi@supanet.com

 

 *هذا هو القسم الثاني من قصيدة :"عشتار والقمر".

(1):اعتقاد شعبي بالعراق بأنّ القمر مزمع على وليمة حينما تكون حوله دارة أو هالة، وهو هنا

رمزإلى صعود الروح- الموت.

(2): اقتباس من ملحمة كلكامش


رجوع


مقالات اخرى لــ  صلاح نيازي

اضف تعليقك 

  ألأسم: البريد:  
 

Please Enter the characters in the image below

This Is CAPTCHA Image
 
           

 


 

ابحث في الموقع

Search Help

انضموا الى قائمتنا البريدية

الاسم:

البريد الالكتروني:

 

 

 

       Designed & Hosted By ENANA.COM